كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والمقصود من هذا الإِخبارِ هو الإِنس وإنما ذُكر الجن إدماجًا وستعرف وجه ذلك.
والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ.
واللام في {ليعبدون} لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي.
والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}.
وهذا التقدير يلاحظ في كل لاممٍ ترد في القرآن تعليلًا لفعللِ الله تعالى، أي ما أرضَى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية.
فمعنى الإِرادة هنا: الرضى والمحبة، وليس معناها الصفةَ الإِلهية التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم، التي اشتق منها اسمُه تعالى: المريد لأن إطلاق الإِرادة على ذلك إطلاق آخر، فليس المراد هنا تعليل تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة، أو عن قُدرتهم على اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد تكون مناقضة لإِرادة الله منهم بِمعنى الإِرادة الصفةِ، فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإِله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرّف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسبابُ تمكُّنِهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع.
وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله: {ليعبدون} من جعل عموم الجن والإِنس مخصوصًا بالمؤمنين منهم، أو تقديرِ محذوف في الكلام، أي إلا لآمُرهم بعبادتي، أو حَمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرهَا ابن عطية.
ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيرًا من الإِنس غير عابدٍ بدليل المشاهدة، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين.
ونقول: إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظمًا ونواميس فاندفع كلُّ مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته، فقد تعُود بعض المخلوقات على بعض بنقض ما هُيِّءُ هُوَ لَه ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه، فتشابكت أحوال المخلوقات ونواميسها، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ذلك أحوال لا تُحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها، فكثيرًا ما تسفر عن خلاف ما أُعدّ له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع، أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي.
ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يُستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون {وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47].
فالحصر المستفاد من قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَ والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول {يعبدون}، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإِشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًا فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألاَ ترى أن الله ذكر حِكمًا للخلق غير هذه كقوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118، 119] بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإِنس والجن كقوله في خلق عيسى {ولنجعله آية للناس ورحمة منا} [مريم: 21].
ثم إن اعتراف الخلققِ بوحدانية الله يَقْشَع تكذيبهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم ما كذَّبوه إلا لأنه دعاهم إلى نبذ الشرك الذي يزعمون أنه لا يسع أحدًا نبذُه، فإذا انقشع تكذيبهم استتبع انقشاعُه امتثالَ الشرائع التي يأتي بها الرسول صلى الله عليه وسلم إذا آمنوا بالله وحده أطاعوا ما بلَّغهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا معنى تقتضيه عبادةُ الله بدلالة الالتزام، وذلك هو ما سُمي بالعبادة بالإطلاق المصطلح عليه في السُنَّة في نحو قوله: «أن تعبد اللَّه كأنك تراه» وليس يليق أن يكون مرادًا في هذه الآية لأنه لا يطرد أن يكون علةً لخلق الإنسان فإن التكاليف الشرعية تظهر في بعض الأمم وفي بعض العصور وتتخلف في عصور الفترات بين الرسل إلى أن جاء الإِسلام، وأحسب أن إطلاق العبادة على هذا المعنى اصطلاح شرعي وإنْ لم يرد به القرآن لكنه ورد في السنة كثيرًا وأصبح متعارفًا بين الأمة من عهد ظهور الإِسلام.
وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحَهم العاجل والآجل وحصولَ الكمال النفساني بذلك الصلاح، فلا جَرم أَنَّ الله أراد من الشرائع كمال الإِنسان وضبطَ نظامه الاجتماعي في مختِلف عصوره.
وتلك حكمة إنشائه، فاستتبع قوله: {إلا ليعبدون} أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي، فعبادة الإِنسان ربَّه لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من خَلقه وعلَّةً لحصوله عادةً.
وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله: {إلا ليعبدون} بمعنى: إلاّ لآمرهم وأنهاهم.
وتَبع أبو إسحاق الشاطبي هذا التأويل في النوع الرابع من كتاب المقاصد من كتابه عنوان التعريف (الموافقات) وفي محمل الآية عليه نظر قد علمتَه فحققْهُ.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى.
وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: {وأنه كان يقول سفيهنا على اللَّه شططًا} [الجن: 4].
وتقديم الجن في الذكر في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26].
وجملة {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} تقرير لمعنى {إلا ليعبدون} بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئًا يصنعونه أو يتخذونه، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئًا إنما يتخذه لنفع نفسه، وليست الجملة لإِفادة الجانب المقصور دُونَه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد.
ولا يَحسن ذكر الضد في الكلام البليغ.
فقوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال، فلذلك ابتدىء به ثم عطف عليه الإِطعام، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، وقد لا يَجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعامَ أو يُطعمه إياه، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يُهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام.
والرزق هنا: المال كقوله تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق} [العنكبوت: 17] وقوله: {اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الرعد: 26] وقوله: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه} [الطلاق: 7]، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا} [مريم: 62] ويمنع من إرادته هنا عطف {وما أريد أن يطعمون}.
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}.
تعليل لجملتي {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذاريات: 57] و{الرزق} هنا بمعنى ما يعمّ المال والإِطعام.
والرزاق: الكثير الإِرزاق، والقوةُ: القدرة.
وذو القوة: صاحب القدرة.
ومن خصائص (ذو) أن تضاف إلى أمر مهم، فعلم أن القوة هنا قوة خلية من النقائص.
والمتين: الشديد، وهو هنا وصف لذي القوة، أي الشديد القوة، وقد عدّ {المتين} في أسمائه تعالى.
قال الغزالي: وذلك يرجع إلى معاني القدرة.
وفي (معارج النور) شرح الأسماء (المتينُ: كمال في قوته بحيث لا يعارض ولا يُدانَى).
فالمعنى أنه المستغني غنىً مطلقًا فلا يحتاج إلى شيء فلا يكون خلقه الخلق لتحصيل نفع له ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران باتباع الشريعة التي يجمعها معنى العبادة في قوله: {إلا ليعبدون} [الذاريات: 56].
وإظهار اسم الجلالة في {إن الله هو الرزاق} إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضاه: إني أَنا الرزاق، فعدل عن الإِضمار إلى الاسم الظاهر لتكون هذه الجملة مستقلة بالدلالة لأنها سُيرت مسِير الكلام الجامع والأمثال.
وحذفت ياء المتكلم من {يعبدون} و{يطعمون} للتخفيف، ونظائره كثيرة في القرآن.
وفي قوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} طريق قصر لوجود ضمير الفصل، أي: لا رَزَّاق، ولا ذا قوة، ولا متين إلا الله وهو قصر إضافي، أي دون الأصنام التي يعبدونها.
فالقصر قصر إفراد بتنزيل المشركين في إشراكهم أصنامهم بالله منزلة من يدعي أن الأصنام شركاء لله في صفاته التي منها: الإِرزاق، والقوة، والشدة، فأبطل ذلك بهذا القصر، قال تعالى: {إن الذين تعبدون من دون اللَّه لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند اللَّه الرزق واعبدوه} [العنكبوت: 17]، وقال: {إن الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73].
{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59)}.
تفريع على جملة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير الله، أي فإذا لم يفردني المشركون بالعبادة فإن لهم ذَنوبًا مثل ذَنوب أصحابهم، وهو يلمح إلى ما تقدم من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} إلى قوله: {إنهم كانوا قومًا فاسقين} [الذاريات: 32 46].
والمعنى: فإذ ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيبًا عظيمًا من العذاب مثل نصيب أولئك.
والذين ظلموا: الذين أشركوا من العرب، والظلم: الشرك بالله.
والذنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة يستقي بها السُّقاة على القليب كما ورد في حديث الرؤيا «ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوبًا أو ذنوبين» ولا تسمى ذنوبًا إلا إذا كانت ملأى.
والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحُظوظ الذين ظلموا من الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من الماء، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الوِرد يكونون متصاحبين.
وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبّه المشركون بجماعة وردت على الماء، وتُشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء، ويُشبه نصيب كل جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء.
قال علقمة بن عَبْدة يمدح الملكَ الحارثَ بن أبي شَمِر، ويشفع عنده لأخيه شأسٍ بن عبدة وكان قد وقع في أسره مع بني تميم يوم عَين أباغ:
وفي كل حي قد خَبَطْتَ بَنعمة ** فحُقَّ لشَأْسسٍ من نَداك ذَنوب

فلما سمعه الملك قال: (نعم وأَذنبة) وأطلق له أخاه شأس بن عبدة ومن معه من أسرى تميم، وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود: أن يسمعه المشركون فهو تعريض، وبهذا الاعتبار أكد الخبر بـ (إنَّ) لأنهم كانوا مكذبين بالوعيد، ولذلك فرع على التأكيد قوله: {فلا يستعجلون} لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب استهزاء وإشعارًا بأنه وعد مكذوب فهم في الواقع يستعجلون الله تعالى بوعيده.
وعدّي الاستعجال إلى ضمير الجلالة وهم إنما استعجلوه النبي صلى الله عليه وسلم لإِظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله تعالى توبيخًا لهم وإنذارًا بالوعيد.
وحذفت ياء المتكلم للتخفيف.
والنهي مستعمل في التهكم إظهارًا لغضب الله عليهم.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}.
فرع على وعيدهم إنذار آخر بالويل، أو إنشاءُ زَجر.
والويل: الشر وسوء الحال، وتقدم في قوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} في سورة البقرة (79)، وتنكيره للتعظيم.
والكلام يحتمل الإِخبار بحصول ويل، أي عذاب وسوء حال لهم يوم أوعدوا به، ويحتمل إنشاء الزجر والتعجيب من سوء حالهم في يَوم أُوعدوه.
و(مِن) للابتداء المجازي، أي سوء حال بترقبهم عذابًا آتيًا من اليوم الذي أوعدوه.
والذين كفروا: هم الذين ظلموا، عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر لما فيه من تأكيد الاسم السابق تأكيدًا بالمرادف، مع ما في صفة الكفر من الإِيماء إلى أنهم لم يشكروا نعمة خالقهم.
واليوم الذي أوعدوه هو زمن حلول العذاب فيحتمل أن يراد يوم القيامة ويحتمل حلول العذاب في الدنيا، وأيًّا مَّا كان فمضمون هذه الجملة مغاير لمضمون التي قبلها.
وإضافة (يوم) إلى ضميرهم للدلالة على اختصاصه بهم، أي هو معيّن لجزائهم كما أضيف يوم إلى ضمير المؤمنين في قوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 103].
واليوم: يصدق بيوم القيامة، ويصدق بيوم بدر الذي استأصل الله فيه شوكتهم.
ولما كان المضاف إليه ضمير الكفار المعينين وهم كفار مكة ترجح أن يكون المراد من هذا اليوم يومًا خاصًا بهم وإنما هو يوم بدر لأن يوم القيامة لا يختص بهم بل هو عام لكفار الأمم كلهم بخلاف اليوم الذي في قوله في سورة الأنبياء (103): {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} لأن ضمير الخطاب فيها عائد إلى {الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] كلهم.
وفي الآية من اللطائف تمثيل ما سيصيب الذين كفروا بالذنوب، والذنوب يناسب القليب وقد كان مثواهم يوم بدر قليبَ بدر الذي رُميت فيه أشلاء سادتهم وهو اليوم القائل فيه شداد بن الأسود الليثي المكنَّى أبا بكر يرثي قتلاهم:
وماذا بالقليببِ قليببِ بدر ** من الشيزى تُزيَّن بالسَّنَام

تحيّى بالسلامة أمّ بكر ** وهل لي بعد قومي من سَلام

ولعلّ هذا مما يشمل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على القليب يوم بدر {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا} [الأعراف: 44].
وفي قوله: {من يومهم الذي يوعدون} مع قوله في أول السورة {إن ما توعدون لصادق} [الذاريات: 5] ردّ العجز على الصدر، ففيه إيذان بانتهاء السورة وذلك من براعة المقطع. اهـ.